اشتهر عبد القاهر الجرجاني بوصفه أبرز منظري البلاغة العربية. غير أن سيرته الذاتية لم تزل شحيحة بالمعلومات عن حياته، لا سيما فيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية والسياسية المحيطة به. ومن الجدير بالدراسة قيامه بمدح نظام الملك - الوزير السلجوقي - من خلال أبيات شعرية. وهذا مثير للتساؤل، إذ إنه، إلى جانب كونه لغويا، كان معروفًا أيضًا بالزهد، الأمر الذي تناقض في الظاهر مع مدحه للحاكم. علاوة على ذلك، استخدم الجرجاني في مدحه الشعر، وهو أهمّ أشكال أدبية تتمتع بالمكانة العليا في نظام التواصل العربي. ستُجيب هذه الدراسة على سبب إنشاء الجرجاني أبياتا شعرية في مدح نظام الملك، بالرغم من تناقضها مع نزعته الزهدية، وكيف تبلورت العلاقة بين المثقفين والسلطة السياسية في هذه الحالة. بعد تحليل المعطيات بواسطة مقاربة تحليل الخطاب النقدي، توصّل الباحث إلى أن شعر الجرجاني تم صياغته كدعم فكري للنظام الذي دعم الخطاب الديني المشترك بين الكيانين، حيث يتمثّل ذلك في المذهبين الشافعي والأشعري. وتسفر العلاقة بين الجرجاني ونظام الملك تناغمًا متبادلًا بين السلطتين المعرفية والسياسية في الإسلام الكلاسيكي. فكان النظام بحاجة إلى دعم المثقّفين لكسب الشرعية والشعبية؛ وفي المقابل، قامت السلطة السياسية بدعم المثقّفين من خلال الترسيم الأيديولوجي لمدرستهم الفكرية، الأمر الذي يمكّن من انتشار الأيديولوجيا التي يتبناها المثقفون.
Copyrights © 2025