تناول علم اقتصاد التنمية المعاصر قضية الفقر في الغالب من خلال مؤشرات مادية وكمية وتقنوقراطية، متجاهلاً في كثير من الأحيان الأبعاد الأخلاقية والثقافية والحضارية المرتبطة برفاه الإنسان. وفي سياق عالم الملايو (Alam Melayu)، تبدو هذه المقاربات غير كافية لاستيعاب التصورات المحلية للتنمية القائمة على الانسجام المجتمعي، والاقتصاد الأخلاقي، والعدالة الاجتماعية، وصون الكرامة الإنسانية. وعلى الرغم من التنامي المستمر للنقاشات المتعلقة بالنماذج التنموية البديلة، فإن الاهتمام الأكاديمي بالرؤية الكونية الملايوية بوصفها أساساً مفاهيمياً لإعادة التفكير في الفقر والتنمية المتمحورة حول الإنسان لا يزال محدوداً. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف الكيفية التي تفسر بها الرؤية الكونية الملايوية مفهومي الفقر والتنمية بما يتجاوز الاختزال الاقتصادي الذي يميز النماذج التقليدية. وتعتمد الدراسة منهجية نوعية وتأويلية من خلال تحليل نصوص مختارة من التراث الفكري الملايوي، وخطابات التنمية، وأعمال عدد من المفكرين البارزين، وفي مقدمتهم أنغكو عزيز (Ungku Aziz). وتُبرز المناقشة الترابط العضوي بين الاقتصاد والأخلاق والدين والمسؤولية الاجتماعية في التصور الملايوي للتنمية. وتشير النتائج إلى أن الفقر في الرؤية الملايوية لا يُفهم بوصفه حرماناً مادياً فحسب، بل باعتباره حالة متعددة الأبعاد تمس الكرامة الإنسانية والتوازن الاجتماعي والرفاه الجماعي. وتخلص الدراسة إلى ضرورة تطوير اقتصاد تنموي متمحور حول الإنسان يستند إلى المنظورات المحلية والحضارية لعالم الملايو، بما يسهم في إعادة صياغة فهم أكثر شمولاً وإنسانية للتنمية.
Copyrights © 2026