ظلّت الدراسات السابقة حول الكلمات العربية المقترضة في اللغات المحلية تقتصر غالبًا على تحليلات جزئية وفردية؛ فإما أن تركز على الجانب الصوتي وحده، أو الجانب التربوي، أو التاريخ الاجتماعي. ونتيجة لذلك، فَقَدَ البحث العلمي رؤية شاملة وتكاملية لكيفية تكيّف اللغات المحلية واستيعابها للمفردات الدخيلة. وتبرز أهمية هذا البحث والحاجة الملحّة إليه في الوقوف المباشر على مدى قدرة اللغة البوجيسية (لهجة بوني) على الحفاظ على بنيتها اللغوية الأصلية في أثناء استيعاب المصطلحات العربية في ظل التغيرات المتسارعة التي يفرضها العصر الحالي. واعتمدت هذه الدراسة على المنهج اللغوي التاريخي، حيث جُمعت البيانات الميدانية مباشرة من الناطقين الأصليين باللغة عبر المقابلات الشخصية والتسجيلات الصوتية (الملاحظات الصوتية). وقد كشفت النتائج عن ثلاثة أنماط تغييرية مهيمنة ومطردة: أولها التغير الصوتي المصحوب بالنبر الهمزي (الوقف الحنجري) في أواخر الكلمات (مثل تحول كلمة "آخرة" إلى ahera’)، وثانيها إقحام الحركات الصامتة في الكلمات المنتهية بالسكون (مثل تحول كلمة "صبر" إلى sabbara’)، وثالثها الغنّة الحنكية في أواخر الكلمات (مثل تحول كلمة "إمام" إلى imang). وعند تحليل هذه الأنماط الممنهجة وفقًا لنظرية الاقتراض اللغوي الكلاسيكية لإينار هاوجن، يتضح جليًّا أن لسان مجتمع "بوني" يمتلك مصفاة لغوية قوية تُطوّع الأصوات الدخيلة لتتناسب مع القواعد الصوتية المحلية. أما من منظور معاصر، فإن هذه الظاهرة تعكس عملية تكامل معجمي ديناميكي؛ حيث لم تُقترض المصطلحات الدينية اقتراضًا آليًّا جامدًا، بل أُعيد تشكيلها لتصبح جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والاجتماعية اليومية. وتخلص الدراسة إلى أن دخول الإسلام إلى منطقة "بوني" تاريخيًّا لم يكن مجرد نقل جاف للمفردات، بل أسهم بفاعلية في بناء نظام لغوي جديد ومتميز يتناغم مع الهوية المحلية دون طمس معالم اللغة الأم.
Copyrights © 2026